منوعات

استثمار في عقول الأجيال.. كيف تعيد الدولة صياغة التعليم الفني والمهني لخدمة سوق العمل؟

لم يعد التعليم الفني في مصر مجرد مسار بديل يلجأ إليه الطالب بعد المرحلة الإعدادية، وإنما أصبح جزءًا أساسيًا من خطة الدولة لإعداد أجيال تمتلك المهارة والخبرة والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، خاصة مع التغير المستمر في احتياجات سوق العمل وظهور تخصصات جديدة مرتبطة بالصناعة والطاقة والاتصالات والنقل والذكاء الاصطناعي.

ومن هنا بدأت الدولة في إعادة صياغة شكل التعليم الفني، والانتقال تدريجيًا من الصورة التقليدية التي ارتبطت لفترات طويلة بالدراسة النظرية والتدريب المحدود، إلى نموذج يعتمد على الدراسة الأكاديمية والتدريب العملي والشراكة مع الشركات والمصانع، حتى يصبح الطالب أكثر استعدادًا للحياة العملية منذ سنوات الدراسة الأولى.

التعليم الفني
التعليم الفني

وتعود بداية تجربة مدارس التكنولوجيا التطبيقية إلى عام 2018، عندما بدأت الدولة تطبيق النموذج الجديد من خلال ثلاث مدارس، من بينها مدرسة العربي للتكنولوجيا التطبيقية بمحافظة المنوفية، بالشراكة مع مجموعة شركات ومصانع العربي والوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، إلى جانب مدرسة التكنولوجيا التطبيقية للميكاترونيات ومدرسة الإمام محمد متولي الشعراوي للتكنولوجيا التطبيقية بالقاهرة.

وكانت الفكرة الأساسية أن تكون المدرسة مرتبطة بشكل مباشر بالقطاع الصناعي، بحيث لا يكتفي الطالب بدراسة المناهج، وإنما يحصل على تدريب عملي داخل بيئات العمل، ويتعرف على طبيعة المهنة ومتطلباتها قبل التخرج.

من توشيبا العربي إلى مدارس متخصصة في الطاقة والنقل

ومن أبرز النماذج التي ظهرت في بداية التجربة مدرسة العربي للتكنولوجيا التطبيقية، المعروفة باسم «توشيبا العربي»، والتي بدأت الدراسة بها في العام الدراسي 2018/2019 بمنطقة قويسنا الصناعية في محافظة المنوفية، وتخصصت في مجالات مثل الكهرباء والميكانيكا والتبريد والتكييف، مع توفير التدريب العملي للطلاب داخل بيئة صناعية مرتبطة بالتخصص.

ومع نجاح النموذج بدأت الدولة في التوسع تدريجيًا، ولم تعد مدارس التكنولوجيا التطبيقية مرتبطة بمجال صناعي واحد، وإنما ظهرت مدارس تخدم قطاعات مختلفة، من بينها الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والصيانة الكهربائية، والميكاترونيات، والطاقة، والصناعات الغذائية، والفندقة، وصناعة الحلي والمجوهرات وغيرها.

وفي عام 2020 ظهر نموذج جديد من خلال مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية، التي انطلقت في العام الدراسي 2020/2021 بالتعاون بين وزارة التربية والتعليم والشركة المصرية للاتصالات، لتقديم تخصصات مرتبطة بالاتصالات وتطوير المواقع والبرمجيات والشبكات وأمن المعلومات، بما يعكس اتجاه الدولة نحو إدخال تخصصات رقمية تتناسب مع وظائف المستقبل.

ثم جاءت مدرسة ظهر للتكنولوجيا التطبيقية، التي بدأت كمبادرة عام 2021 بالتعاون بين وزارة البترول والثروة المعدنية وعدد من الشركاء، من بينهم «إيني» الإيطالية وأكاديمية السويدي الفنية وإيجاس وبتروبل، بهدف إعداد فنيين مؤهلين للعمل في قطاع الطاقة، وجاء اختيار اسم المدرسة مرتبطًا بحقل غاز ظهر، الذي أصبح أحد أبرز مشروعات الطاقة في مصر. وفي نوفمبر 2024 احتفلت المدرسة بتخريج أول دفعة، وبلغ عدد خريجيها 240 طالبًا.

ومع استمرار التوسع، ظهرت مدارس ومراكز أكثر تخصصًا، مثل المدرسة الفنية المتقدمة للتكنولوجيا التطبيقية للطاقة النووية بمدينة الضبعة، ومدارس الطاقة الشمسية في بنبان، إلى جانب مراكز التميز التي تستهدف إعداد فنيين في تخصصات تحتاجها الصناعة والمشروعات القومية.

ولم يتوقف التطوير عند المدارس، بل امتد إلى التعليم الجامعي، حيث تم إنشاء جامعات تكنولوجية تتيح لخريجي التعليم الفني استكمال دراستهم في تخصصات تطبيقية، بما يفتح أمام الطالب طريقًا يبدأ من المدرسة الفنية ويمكن أن يصل إلى التعليم الجامعي والعمل المتخصص.

السكة الحديد تدخل منظومة التكنولوجيا التطبيقية.. والتوسع مستمر

وفي خطوة تعكس اتساع نطاق التجربة وربط التعليم باحتياجات القطاعات الحيوية، انضمت المدرسة التكنولوجية التطبيقية للنقل بوردان بمحافظة الجيزة إلى منظومة مدارس التكنولوجيا التطبيقية للعام الدراسي 2026/2027، بعد عودة الدراسة بها عقب توقف لعدة سنوات.

وتستهدف المدرسة إعداد كوادر فنية للعمل في مجال النقل والسكك الحديدية، من خلال تخصصات مرتبطة بالميكانيكا والكهرباء، مع إتاحة فرص لخريجيها للعمل في الهيئة القومية لسكك حديد مصر والشركات التابعة لها في مجال النقل السككي. وبدأ التقديم المباشر بها في سبتمبر 2026، وسط إقبال من الطلاب الراغبين في الالتحاق بها.

ويكشف هذا النموذج عن شكل مختلف للتعليم الفني، فاختيار التخصص لم يعد يتم بصورة منفصلة عن احتياجات الدولة، وإنما يرتبط بالقطاعات التي تحتاج إلى عمالة فنية مدربة، وهو ما يظهر في مدارس الطاقة والاتصالات والصناعة والنقل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الدولة التوسع في عدد مدارس التكنولوجيا التطبيقية، حيث ارتفع العدد من 62 مدرسة في 2023/2024 إلى 225 مدرسة مع العام الدراسي 2026/2027، متجاوزًا المستهدف الحكومي السابق بالوصول إلى 200 مدرسة بحلول عام 2030. كما تستهدف الدولة زيادة العدد مستقبلًا إلى 600 مدرسة، بما يعكس استمرار التوسع في هذا المسار.

ولا يعتمد التطوير على إنشاء المدارس فقط، وإنما يشمل تحديث المناهج وتطبيق نظام الجدارات، وتطوير التدريب العملي، وإشراك أصحاب الأعمال والقطاع الخاص في تحديد المهارات والتخصصات المطلوبة. كما تتجه الوزارة إلى إدخال مهارات البرمجة والذكاء الاصطناعي ضمن منظومة التعليم الفني، بالتزامن مع زيادة مدارس تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي.

ويأتي ذلك في إطار محاولة سد الفجوة بين ما يتعلمه الطالب داخل المدرسة وما يحتاج إليه عندما ينتقل إلى سوق العمل، بحيث يصبح التدريب جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية وليس مرحلة منفصلة عنها.

ويؤكد خبراء التعليم والاقتصاد أن نجاح التجربة لا يتوقف عند زيادة عدد المدارس، وإنما يرتبط باستمرار تحديث المناهج، ورفع كفاءة المعلمين، وتوفير معامل وورش حديثة، والتوسع في التدريب داخل الشركات والمصانع، إلى جانب تغيير الصورة المجتمعية عن التعليم الفني.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور خالد الشافعي أن التوسع في التعليم الفني والتكنولوجي يمثل استثمارًا في رأس المال البشري، خاصة أن الاقتصاد الحديث يحتاج إلى عمالة ماهرة تستطيع التعامل مع التكنولوجيا ورفع كفاءة الإنتاج، بينما يمثل ربط المدارس بالقطاع الخاص وسيلة لتقليل الفجوة بين الدراسة وسوق العمل.

ومن جانبه، يشير الدكتور كمال مغيث إلى أن تطوير التعليم الفني يحتاج إلى أكثر من إنشاء المدارس، إذ يرتبط أيضًا بتحديث المناهج وتطوير قدرات المعلمين والتوسع في التدريب العملي، إلى جانب تغيير النظرة المجتمعية لهذا النوع من التعليم، حتى يصبح اختيارًا حقيقيًا للطالب وليس مجرد بديل اضطراري عن التعليم العام.

يدخل التعليم الفني في مصر مرحلة مختلفة، تقوم على فكرة أن الطالب لا يحتاج فقط إلى شهادة يحصل عليها في نهاية سنوات الدراسة، وإنما إلى مهارة يستطيع استخدامها في الواقع. ومع استمرار إنشاء مدارس التكنولوجيا التطبيقية وتنوع تخصصاتها ودخول قطاعات مثل الطاقة والاتصالات والنقل والذكاء الاصطناعي إلى المنظومة، يتحول التعليم الفني تدريجيًا إلى أحد أهم أدوات الاستثمار في الإنسان وربط التعليم بخطط التنمية واحتياجات سوق العمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى